سعيد حوي
1866
الأساس في التفسير
فالجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته فهو الذي له الخلق ، ومن كان هذا شأنه فله الأمر ، وليس لأحد أن ينازعه حق الأمر فهو الإله والخلق عبيد ، وليس من أحد له حق الأمر معه إلا بإذنه ويختم الله عزّ وجل الآية بالثناء على نفسه تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . وفي هذا السياق يرشدنا تعالى بعد أن عرفنا على قدرته وعلمه إلى دعائه الذي فيه صلاحنا في دنيانا وأخرانا ، ويرشدنا أن يكون هذا الدعاء على حال التذلل والاستكانة والخشوع بأن يجتمع فيه التضرع والخفية وقد فسر ابن جرير تضرعا فقال : تذللا واستكانة لطاعته . وفسر خفية : بخشوع قلوبكم ، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة . وقد بين تعالى أنه لا يحب المعتدين لا في الدعاء ولا في غيره . ثم نهى عن الإفساد في الأرض وخاصة بعد الإصلاح ، فإنه إذا كانت الأمور سائرة على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد ، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل إليه خوفا مما عنده من وبيل العقاب ، وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب مبينا أن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره . وبعد أن ذكر أنه خالق السماوات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر ، وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر ، يعود السياق ليعرفنا تعالى على ذاته من خلال عنايته ورعايته ورحمته بعباده ، ويذكرنا في الوقت نفسه باليوم الآخر ، فأخبر أنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر الذي هو مظهر من مظاهر رحمته العظمى بخلقه ، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما تحمل من الماء يسوقه الله إلى أرض مجدبة ميتة لا نبات فيها فيخرج به من كل الثمرات ، فكما يحيي الله هذه الأرض بعد موتها كذلك يحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة ، فمن كان له قلب فإنه يتذكر ، ثم ضرب الله مثلا للمؤمن ، والكافر بالبلد الطيب ، والبلد الخبيث ، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه سريعا وحسنا وطيبا ومباركا ، وأما البلد الخبيث كالسباخ وغيرها فإن نباته لا يخرج إلا خبيثا لا خير فيه ، فكذلك المؤمن ينزل على قلبه القرآن فينمو إيمانه وينمو الخير في قلبه ، وأما الكافر فلا يزيده الوحي إلا عنادا ، ويختم الله المقطع بالتذكير أنه يصرف الآيات لقوم يشكرون . ذكرنا في بداية المقطع بتمكيننا في الأرض ، وجعله لنا فيها معايش لنشكر ، وذكرنا بما أنعم علينا من نعمة الوحي في آخر المقطع لنشكر ، فمن لم تستجلب نعمة الله في الكون